عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

223

اللباب في علوم الكتاب

بل المعنى الصحيح ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم « 1 » يعملون بشرائعها ، ومواعظها ، فذكر موسى والمراد آل موسى كما يقال : هاشم وثقيف . والمراد قومهم « 2 » . قوله تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 50 ] وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ ( 50 ) قوله تعالى : « وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً » والمراد عيسى - عليه السلام « 3 » - وأمه « آية » دلالة على قدرتنا . ولم يقل آيتين قيل : معناه جعلنا شأنهما آية . وقيل المعنى كل واحد آية كقوله : « كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها « 4 » » « 5 » . قال المفسرون : معنى كون عيسى وأمه آية أنه خلق من غير ذكر ، وأنطقه في المهد في الصغر ، وأجرى على يده إبراء الأكمه « 6 » والأبرص « 7 » ، وإحياء الموتى وأمّا مريم فلأنها حملت من غير ذكر « 8 » . وقال الحسن : تكلّمت مريم في صغرها كما تكلّم عيسى وهو قولها : « هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » « 9 » ، ولم تلقم ثديا قط « 10 » . قال ابن الخطيب : والأقرب أن جعلهما آية هو نفس الولادة ، لأنه ولد من غير ذكر وولدته من دون ذكر فاشتركا جميعا في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة ، ويدل على هذا وجهان : الأول : قوله : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً لأن نفس المعجز ظهر منهما ، لا أنّه ظهر على يديهما ، لأنّ الولادة فيه وفيها « 11 » بخلاف الآيات التي ظهرت على يده . الثاني : قوله : آيَةً ولم يقل آيتين ، وحمل هذا اللفظ على الأمر الذي لا يتمّ إلا بمجموعهما أولى ، وذلك هو الولادة لا المعجزات التي كانت لعيسى « 12 » . قوله : وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ « الرّبوة » و « الرّباوة » في رائهما « 13 » الحركات الثلاثة « 14 » « 15 » ، وهي الأرض المرتفعة .

--> ( 1 ) لعلهم : سقط من ب . ( 2 ) انظر الكشاف 3 / 49 . بتصرف ، والفخر الرازي 23 / 103 . ( 3 ) في ب : عليه الصلاة والسلام . ( 4 ) [ الكهف : 33 ] . ( 5 ) انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج 4 / 14 ، الكشاف 3 / 49 . ( 6 ) الأكمه : الكمه في التفسير : العمى الذي يولد به الإنسان . كمه بصره - بالكسر - كمها وهو أكمه إذا اعترته ظلمة تطمس عليه . والأكمه : الذي يولد أعمى . اللسان ( كمه ) . ( 7 ) البرص : داء معروف ، وهو بياض يقع في الجسد ، برص برصا ، والأنثى برصاء . ورجل أبرص ، وحيّة برصاء : في جلدها لمع بياض ، وجمع الأبرص برص . اللسان ( برص ) . ( 8 ) انظر الفخر الرازي 23 / 103 . ( 9 ) [ آل عمران : 37 ] . ( 10 ) انظر الفخر الرازي 23 / 103 . ( 11 ) في ب : فيها . ( 12 ) الفخر الرازي 23 / 103 - 104 . ( 13 ) في النسختين : رائها . ( 14 ) في ب : الثلاث . ( 15 ) كلها لغات قرىء بها ، فقرأ عاصم وابن عامر « إِلى رَبْوَةٍ » فتحا وباقي السبعة « ربوة » ضما وقرأ ابن عباس ونصر عن عاصم بكسرها . وقرأ محمد بن إسحاق « رباوة » بضم الراء وبالألف ، وقرأ زيد بن -